السيد عبد الأعلى السبزواري
48
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
تسليم اللّه الحجر إلى آدم . وفيه إشارة إلى أن التسليم وقع مباشرة منه جل شأنه من دون واسطة في البين ، وفيه من اظهار كمال الأهمية ما لا يخفى . والأرض كلها كانت أرض خليفة اللّه تعالى وكان يتجول فيها بقدرته تعالى - بما فيها الهند - وقد فصل المحدثون ذلك في السنة الشريفة . وأما قوله ( عليه السلام ) : « فلما نظر إليه آنس اليه » المراد به الأنس المعنوي الذي يدركه أهل المعنى كما في قوله تعالى : آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [ سورة القصص ، الآية : 29 ] . وأما قوله ( عليه السلام ) : « وهو لا يعرفه بأكثر من أنه جوهرة » فإن العلم بالحقائق الواقعية وملكوت الأشياء بما هي عليها يختص به تبارك وتعالى أو من علّمه اللّه عزّ وجل ؛ ولم تقتض المصلحة ان يعلم آدم حقيقة تلك الجوهرة حين رماها اليه . وأما قوله ( عليه السلام ) : « فأنطقه اللّه عزّ وجل فقال له يا آدم أتعرفني ؟ » فذلك ممكن عقلا وواقع في الخارج أيضا بقدرة اللّه تعالى كتسبيح الحصى في كف رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) . ومن هذا الحديث الشريف يظهر سر دعاء الحجيج عند استلام الحجر الأسود بقولهم : « أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة يوم القيامة » فكان لهذا الحجر الشريف مظاهر وشؤون وفي جميعها مبارك ومقدس وسيظهر له بعد ذلك بما هو أحسن وأولى في عالم آخر . وأما قوله ( عليه السلام ) « إن اللّه عزّ وجل لما بنى الكعبة وضع الحجر في المكان » فإنه يستظهر منه أن أول بناء الكعبة المقدسة كان من اللّه تعالى بواسطة الملائكة . ويمكن أن يحمل على بناء إبراهيم ( عليه السلام ) فيكون نظير قولهم بنى الأمير المدينة . والمتحصل انه يظهر من هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث المعتبرة عظمة هذا البيت وأهمية الحجر الشريف بما لا يدع مجالا للشك والريب ، فليس هو من الأحجار التي لا تضر ولا تنفع ، وإنما اكتسب شرفا بالمجاورة كما